ابن الجوزي
404
كتاب ذم الهوى
أنشده إياها أنس به وحدثه ، فإن شئت فصر إليه . قال صباح : فصرت إلى الفتى ، فرحّب بي وسألني عن حالي ، فأخبرته ، فقال لي : أتروي لقيس بن ذريح شيئا ؟ فإن المجنون مستهتر بشعره . قلت : أنا أحفظ الناس لشعر قيس ، قال : فصر إلى موضع كذا وكذا فاطلبه في تلك الفيافي فإنك تجده ، واعلم أنه إذا رآك سوف ينفر منك ويهوي إليك بحجر ، فلا يهولنّك واقعد كأنك لا تريده ، فإذا رأيته قد سكن فاذكر له ليلى ، فإنه سيرجع إلى عقله ويراجع صحته ويحدثك عن حاله ، ثم أنشده من شعر قيس شيئا فإنه مشغوف به . قال صباح : ففعلت الذي أوصاني به الفتى ، ولم أزل أطلبه حتى انتصف النهار ، فإذا أنا برجل عريان قد سقط شعر رأسه على حاجبيه ، وإذا هو قد حظّر حظيرة من تراب وهو قاعد في وسطها ، وإلى جانبه أحجار وهو يخطط بإصبعه في الأرض ، فلما رآني أهوى إلى حجر ووثب ليقوم ، فقعدت ناحية أرمي ببصري إلى غيره ، ولا أحفل به ، ثم إنه رجع إلى عبثه وتخطيطه ، فقلت له : أتعرف ليلى ؟ قال : بأبي واللّه هي ، فكيف لا أعرفها ؟ . قلت : للّه قيس بن ذريح حيث يقول : وإني لمفن دمع عينيّ بالبكا * حذارا لما قد كان أو هو كائن وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة * فراق حبيب لم يبن وهو بائن وما كنت أخشى أن تكون منيّتي * بكفّيك إلا أن ما حمّ حائن فقال : أنا واللّه أشعر منه حيث أقول : نعب الغراب ببين ليلى إنه * كان الكتاب ببينهم مخطوطا أصبحت من أهلي الذين أحبهم * كالسّهم أصبح ريشه ممروطا ثم وثب مسرعا إلى ظباء سنحت له ، فغاب عني فتبعته ، فجعلت أقفو أثره إلى آخر النهار ، فما وقعت عيني عليه ، ثم غدوت في اليوم الثاني فجعلت أطوف